والد البهائي العاملي

58

نور الحقيقة ونور الحديقة

تعالى أحق أن يخشى ، وأنه لا يغلب في شأنه ، ولا ينازع في سلطانه وأن الناس اشخاص مثله ، لا يقدرون له على نفع ولا ضر الا باذن اللّه . ولهذا قيل : الرياء قنطرة الاخلاص . حكى : ان بعض الشبان اتفق أنه وقع نظرة على ابنة الملك فوقع حبها في قلبه موقعا قويا ، حتى تمكن فيه العشق والشغف ، وكان ذا عقل وروية الا أنه كان فقيرا جدا ، خامل الذكر والقدر ، فكتم ذلك زمانا طويلا لخوفه من القتل ان أفشاه ، ولما التهبت فيه نيران العشق والهيجان حتى عيل صبره « 1 » وانتحل جسمه وأيقن بالهلاك أطلع على سره شيخا عالما صالحا من تلك المدينة ، وقال : اني هالك لا محالة فهل تجد لي حيلة أو دواء أو ما اتسلّى به ؟ . فقال : نعم ، ان فعلت ما أقول لك رجوت ان تبلغ مرادك ، وذلك : أن تمضي إلى الصفّة الفلانية في الجامع الكبير فتجلس ثم ليلا ونهارا ، صائما نهارك قائما ليلك ، تاليا للقرآن ، راكعا ، وساجدا ، باكيا خاشعا مطمئنا في كل الأوقات ، وإياك ان تنظر إلى أحد أو تكلمه أو تأخذ منه شيئا أو تلتفت اليه بوجه من الوجوه - وان كان السلطان نفسه - ، أو تمضي اليه ان طلبك فعند ذلك يشيع خبرك في المدينة ويتصل بالسلطان ، ولا يخفى عليك أنّه يحب الصلحاء والعباد ، فيوشك عند ذلك أن يختارك زوجا لبنته . فوقع ذلك في قلب الشاب وسرّ به ، وفعل كل ما أمره به على أبلغ مما قال ، واستمر كذلك زمانا طويلا ، حتى شاع أمره في المدينة ، وصيامه ، وصلاته وبكاؤه ، وخشوعه ، وزهده ، واعتقدوا أن ما به من الاصفرار والنحول لشدّة خوفه وكثرة صيامه وقيامه .

--> ( 1 ) اى غلب صبره .